أرامكو في عصر هرمز المغلق|سقف الإمداد يعيد تسعير السهم

· TASI

الأرباح القياسية والتناقض الخفي

أرامكو السعودية سجّلت في الربع الأول من 2026 صافي دخل معدل بلغ 33.6 مليار دولار، متجاوزاً توقعات المحللين بفارق يزيد على 2.4 مليار دولار. الرقم يبدو نظيفاً، لكن التدفق النقدي الحر انكمش إلى 18.6 مليار دولار مقابل 19.2 مليار في الربع الأول من 2025، رغم أن الأسعار ارتفعت من 65 دولاراً في مطلع فبراير إلى أكثر من 100 دولار في مارس. الأرباح قفزت بنسبة 26 بالمئة سنوياً، لكن التدفق النقدي الحر تراجع في الوقت ذاته، وهذا التناقض لا يُفسَّر بارتفاع الأسعار وحده. المفتاح هو زيادة رأس المال العامل بمقدار 15.8 مليار دولار، وهو ما يعني أن أرامكو ضخّت موارد ضخمة لإعادة بناء مسارات التصدير والتخزين تحت ضغط الأزمة، لا لتحسين الكفاءة التشغيلية. نسبة المديونية ارتفعت من 3.8 بالمئة إلى 4.8 بالمئة، وهو مستوى لا يُشير إلى ضائقة، لكنه يُشير إلى أن الشركة تموّل استمرارية الإمداد جزئياً بالدَّيْن. التوزيعات بلغت 21.9 مليار دولار بزيادة 3.5 بالمئة، وهي تتجاوز التدفق النقدي الحر بفارق يُلاحَظ لأول مرة في السياق الحالي. السؤال الذي تفرضه هذه الأرقام مجتمعةً ليس إذا كانت أرامكو مربحة، بل إلى أي حد تستطيع الحفاظ على مستوى التوزيعات إذا استمر ضغط رأس المال العامل ربعاً ثانياً.

خط شرق-غرب: شريان أو سقف؟

رأس المال تحرّك نحو أرامكو لأن السوق رأى فيها المورّد الوحيد القادر على تجاوز مضيق هرمز بحجم يُعتدّ به. خط أنابيب شرق-غرب يعمل بطاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً، وهو الرقم الذي تكرّر في كل بيانات الشركة. لكن هذا الرقم هو أيضاً سقف الطاقة وليس مجرد إنجاز. قبل الحرب كانت المملكة تُصدّر 7.2 مليون برميل يومياً، غالبها عبر الخليج. اليوم ميناء ينبع لا يستوعب سوى 5 ملايين برميل يومياً من الصادرات الفعلية، بسبب قيود بنية الميناء لا قيود خط الأنابيب. بمعنى آخر، 2 مليون برميل يومياً من الطاقة الإنتاجية السعودية محجوبة بشكل فعلي عن الأسواق ما دام مضيق هرمز مغلقاً. هذا لم يضرّ الأرباح حتى الآن لأن الأسعار ارتفعت بما يعوّض حجم الخسارة في الكميات، وغولدمان ساكس أشار إلى أن الإيرادات النفطية الأسبوعية للسعودية ارتفعت 10 بالمئة مقارنة بما قبل الحرب. لكن السوق الذي يُسعّر السهم بناءً على استمرار هذا الوضع يُقيم فرضية خطيرة: أن الأسعار ستبقى عند مستويات تعويض الكميات المفقودة. الناصر نفسه حذّر من أن إعادة فتح المضيق لا تعني عودة السوق فوراً إلى طبيعته، وأن الأسواق ستحتاج وقتاً للاستقرار حتى عام 2027. هذا التحذير يحمل معنيين متعاكسين بالنسبة للمستثمر: إيجاباً، الضغط السعري مستمر لفترة أطول مما يُسعّر السوق. سلباً، استمرار الإغلاق يُعني خسارة 100 مليون برميل أسبوعياً من الأسواق العالمية، وهو رقم يُشير إلى أن الطلب ذاته يُعاد تشكيله بصورة لا تُصحَّح بمجرد إعادة فتح الممر.

الصين تُخفّض والسهم لا يُسعّر ذلك بعد

الجانب الذي يغيب عن قراءة معظم المستثمرين هو أن أكبر مستورد لنفط أرامكو يُقلّص شراءه بوتيرة غير مسبوقة. صادرات أرامكو إلى الصين في مايو بلغت 10 ملايين برميل شهرياً، أي ما يعادل 333 ألف برميل يومياً، مقارنة بمتوسط 1.39 مليون برميل يومياً طوال عام 2025. هذا ليس تراجعاً هامشياً بل انكماش بنسبة 76 بالمئة عن المستوى السابق. سينوبك وسينوكيم ورونغشينغ خفّضت طلباتها ليونيو، وهو ما يُعني أن المسار لم يتوقف. سبب التخفيض ليس انقطاع الإمداد بل ارتفاع سعر البيع الرسمي، إذ حافظت أرامكو على علاوة بلغت 15.50 دولاراً للبرميل لآسيا في يونيو، بعد أن كانت عند 19.50 دولاراً في الشهر السابق. هذا التخفيض لم يكن كافياً لإعادة المشترين الصينيين، ما يعني أن أرامكو تواجه اختياراً صعباً: تخفيض الأسعار لاسترداد الحجم أو الحفاظ على الأسعار وقبول انكماش الحجم. إبقاء السعر عالياً يعني الإيرادات تبقى مرتفعة ما دام السوق الفوري ضيقاً، لكن انتقال رأس المال الصيني نحو موردين بديلين يُنشئ علاقات إمداد جديدة يصعب عكسها. إذا فُتح المضيق وانخفضت الأسعار دون أن تعود الأحجام إلى الصين، ستجد أرامكو نفسها في الربع الثاني بهامش أقل وحجم أقل في آنٍ واحد، وهو السيناريو الذي لا يُسعّره السوق حتى الآن.

صفقة العقارات وإعادة قراءة التقييم

الصفقة العقارية التي كشفت عنها بلومبيرغ، والتي تسعى أرامكو من خلالها لجمع أكثر من 10 مليارات دولار عبر بيع أصول واستئجارها، تُقرأ عادةً كتحسين لكفاءة رأس المال. لكن في سياق ارتفاع المديونية وانكماش التدفق النقدي الحر، تُقرأ بشكل مختلف. أرامكو تُعيد تمويل توزيعاتها جزئياً عبر تسييل الأصول لا عبر التدفق التشغيلي. هذه آلية مستدامة طالما الأصول قابلة للتسييل، لكنها تُشير إلى أن هامش التدفق النقدي الحر وحده لم يعد كافياً لتمويل التوزيعات عند المستويات الحالية. بلاك روك وقّعت اتفاقية استئجار بـ11 مليار دولار لمنشآت الجافورة العام الماضي، وأرامكو الآن تُعيد هذا النموذج لمجمع الظهران نفسه. هذا النموذج يُعني أن رأس المال الخارجي يدخل في أصول أرامكو الثابتة بينما الشركة تحتفظ بالتشغيل. استمرار هذا النهج يُحوّل أرامكو تدريجياً من شركة تمتلك أصولها إلى شركة تشغّل أصول يمتلكها آخرون، وهو تحوّل يُؤثر على مضاعف التقييم المستقبلي. الاختبار الحقيقي لسهم 2222 سيكون في الربع الثاني: إذا حافظت التوزيعات عند 21.9 مليار دولار مع تراجع الأحجام المُباعة للصين، سيظهر المصدر الفعلي للتمويل. الناصر قال إن الأسواق لن تستقر قبل 2027، وهذا يعني أن السهم يُسعّر بيئة طارئة كأنها هيكل دائم، وهو رهان يتطلب أن تبقى هرمز مغلقة لمدة أطول مما تستطيع الأسواق تحمّله دون تقنين الطلب العالمي.

Link copied