أرامكو 32 مليار دولار والإنتاج ينهار 14%|من يحمل الاقتصاد السعودي الآن
تاسي يرتفع وسط أرقام متضاربة
في الوقت الذي سجّلت فيه أرامكو السعودية أكبر قفزة ربعية في صافي أرباحها منذ تأسيسها، أعلنت الهيئة العامة للإحصاء في اليوم ذاته أن مؤشر الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 14.1 بالمئة خلال مارس الماضي، وهو أعمق انخفاض سنوي منذ بدء نشر المؤشر. رقمان يصدران في نفس اليوم، ولا ينتميان إلى نفس الاقتصاد ظاهرياً.
مؤشر تاسي أغلق مرتفعاً 0.76 بالمئة عند مستوى 11,115 نقطة، مدعوماً بتدفق السيولة نحو أسهم أرامكو السعودية والراجحي وأكوا باور. قيمة التداولات بلغت 4.9 مليار ريال خلال الجلسة، وهو رقم يعكس ثقة المستثمرين بأرباح أرامكو التي جاءت بـ 126 مليار ريال كصافي دخل معدل، مقارنة بـ 99.8 مليار ريال في الربع الأول من العام الماضي. سهم أرامكو ارتفع 0.81 بالمئة ليغلق عند 27.42 ريال.
غير أن ثمة تفاصيل تحت السطح تستحق التوقف. الإنتاج الصناعي انخفض من 119.4 نقطة في فبراير إلى 92.8 نقطة في مارس، وهو تراجع شهري بنسبة 22.3 بالمئة. قطاع التعدين واستغلال المحاجر هوى 22.2 بالمئة على أساس سنوي، و36 بالمئة على أساس شهري. الصناعة التحويلية انخفضت 4.7 بالمئة سنوياً، مع ضغط إضافي على المنتجات النفطية المكررة والمواد الكيميائية. الأنشطة غير النفطية، وهي المرآة الحقيقية للاقتصاد المحلي المتنوع، استقرت بالقرب من مستويات مارس 2025 — لم تنهار، لكنها لم تنمُ أيضاً.
شركة الحفر العربية قدّمت الصورة الأكثر تفصيلاً عن الكلفة الميدانية للحرب. الشركة أعلنت انهيار أرباحها بنسبة 91 بالمئة في الربع الأول لتبلغ 7.1 مليون ريال فقط، مقارنة بـ 75.2 مليون ريال في الفترة ذاتها من العام الماضي. الرئيس التنفيذي أفصح أن تعليق المنصات البحرية جاء في نهاية مارس، وأن التأثير الكامل سيطفو في أرقام الربع الثاني، مع توقع تراجع إيرادات إضافي بنسبة 12 بالمئة.
إذن السوق يصفق لأرامكو، والاقتصاد الصناعي يعلن نتائج مغايرة تماماً. لكن من الذي يروي القصة الحقيقية؟
خط الأنابيب الذي أنقذ أرامكو ولم ينقذ الاقتصاد
الإجابة ليست في الأرباح نفسها، بل في المسار الذي وصلت عبره. أرامكو رفعت ضخ النفط عبر خط الأنابيب الاستراتيجي شرق-غرب إلى طاقته القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً، متجاوزةً القيود التي فرضتها التوترات حول مضيق هرمز. الميناء على البحر الأحمر أصبح الشريان الذي حل محل الخليج. أرامكو استطاعت تصدير ما يصل إلى 5 ملايين برميل يومياً عبر هذا المسار، وهذا هو السبب الجوهري لارتفاع الأرباح 26 بالمئة سنوياً إلى 32 مليار دولار، وليس توسعاً في الإنتاج الفعلي.
الفارق الجوهري هنا هو أن هذا النجاح بنيوي بامتياز — لكنه معزول جغرافياً. خط الأنابيب يخدم الصادرات، لا الإنتاج الداخلي أو سلاسل التوريد الصناعية المحلية. شركات الحفر البحري، والصناعات التحويلية المرتبطة بالمنشآت الساحلية، ومنشآت المحاجر في مناطق أخرى، كلها خارج نطاق هذه الحماية.
صندوق الاستثمارات العامة قرأ هذه المعادلة بسرعة. الصندوق جمع 7 مليارات دولار في أكبر إصدار سندات في تاريخه — ثلاثة شرائح بآجال ثلاث وسبع وثلاثين سنة، مع إقبال تجاوز ثلاثة أضعاف حجم الطرح. هامش العائد انضغط من 130-170 نقطة أساس إلى 95-99 نقطة، وهو انضغاط يعكس ثقة المستثمرين الدوليين في السعودية كمصدر نفط آمن في بيئة متقلبة. لكن جزءاً من هذا الدين موجه لتمويل رؤية 2030 في زمن عجز ميزانية بلغ 126 مليار ريال في الربع الأول وحده — أعلى رقم فصلي مسجّل.
المشكلة الكامنة هي أن الأموال تتدفق نحو شريحة مختارة من الاقتصاد: الطاقة، والبنوك، والتقنية. البنك الأهلي السعودي ارتفع 1.98 بالمئة، الراجحي 1.73 بالمئة، أكوا باور 1.65 بالمئة. في المقابل، قطاع الصناعة والخدمات كان يتصدر القائمة الخاسرة. هذا ليس انتعاشاً اقتصادياً شاملاً، بل هو ارتفاع مركّز في أسهم يُعدّ ارتباطها بالبنية التحتية الاستراتيجية — درعاً واقية من الاضطرابات الإقليمية.
لكن هذا يطرح السؤال الذي لم يجب عنه السوق بعد: هل يمكن لأرامكو وحدها أن تحمل تاسي إذا استمر تراجع الإنتاج الصناعي في الأرباع القادمة؟
هل يتوسع الانفصال أم يضيق؟
التاريخ يقدم لنا مقارنة مفيدة. في 2015-2016، حين هبط سعر النفط إلى ما دون 30 دولاراً، انهار تاسي بنسبة تجاوزت 45 بالمئة خلال عام ونصف، رغم أن أرامكو كانت تحافظ على إنتاجها. الفارق هذه المرة هو أن أسعار النفط ارتفعت بفعل الأزمة الإقليمية، وخط الأنابيب فتح شرياناً جديداً للتصدير. لكن المتضررين من انقطاع العمليات البحرية لم يروا انتعاشاً مماثلاً.
مؤشر الإنتاج الصناعي الذي سجّل 92.8 نقطة في مارس يقع دون خط الـ100، أي دون مستوى سنة الأساس 2021. الشهر السابق كان عند 119.4 نقطة. هذا ليس تصحيحاً تقنياً، بل انكسار يتجاوز حجم الاضطراب المتوقع.
الشرط الذي يمنع تفاقم هذا الانفصال هو عودة الحفارات البحرية إلى العمل بالتتابع. الرئيس التنفيذي لشركة الحفر العربية أشار إلى أن حفارة واحدة عادت الأسبوع الماضي. إذا عاد الباقي قبل نهاية يونيو، فإن أرقام الربع الثاني ستعكس انتعاشاً جزئياً في قطاع الخدمات النفطية البحرية، وهذا قد يسد فجوة مؤشر الإنتاج في أبريل ومايو.
أما الشرط الذي يُعمّق الانفصال، فهو استمرار التوترات حول مضيق هرمز لأكثر من ربع إضافي. في هذا السيناريو، ستتراكم خسائر شركات الخدمات البحرية، وستضغط تكاليف البيئة الجيوسياسية على هوامش الصناعة التحويلية، في حين تواصل أرامكو جني أرباح التصدير عبر البحر الأحمر.
المؤشر الذي يستحق المراقبة غداً ليس سعر سهم أرامكو — هذا سعر ثابت نسبياً — بل هو بيانات الربع الثاني لشركة الحفر العربية حين تصدر، وعدد الحفارات البحرية التي ستعود للتشغيل خلال يونيو. إذا عاد أقل من النصف، فإن مؤشر الإنتاج الصناعي لأبريل قد يسجّل رقماً أشد انخفاضاً. وحينها، سيصبح السؤال: هل يبقى تاسي عند 11,000 نقطة بدعم أرامكو وحدها، أم أن ضعف القطاعات الأوسع سيسحبه إلى تصحيح لم يأخذ السوق في الحسبان؟