أوبك 188 ألف برميل|القرار الذي لا يصل إلى الموانئ

· TASI

النفط فوق 125 دولاراً وقرار الرفع في نفس اليوم

في اليوم الذي تجاوزت فيه أسعار النفط 125 دولاراً للبرميل لأول مرة منذ أربع سنوات، أعلنت سبع دول في أوبك+ رفع إنتاجها بمقدار 188 ألف برميل يومياً اعتباراً من يونيو. الرقمان في جملة واحدة يبدوان متناقضَين تماماً.

سوق الأسهم السعودية أغلق اليوم الأحد عند 11,192 نقطة، مرتفعاً بفارق ضئيل لا يتجاوز خمس نقاط. التداولات بلغت 4.3 مليار ريال. الهدوء النسبي في تاسي يخفي توتراً حقيقياً في جلسة تقرأ فيها السوق بياناً بالغ الدقة. سهم بترو رابغ الذي قفز 10% قبل أيام وتصدر قائمة الرابحين وصل اليوم إلى قائمة الخاسرين بانخفاض 4.86%، ليغلق عند 14.11 ريال مع تداولات بلغت 83 مليون ريال. هذا التقلب السريع ليس مزاجاً للسوق، بل انعكاس لحالة عدم اليقين التي تسود القطاع البتروكيماوي بأكمله.

الخلفية تحتاج إلى فهم. حرب الولايات المتحدة وإيران التي اندلعت في الثامن والعشرين من فبراير أغلقت مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية. السعودية والعراق والكويت، وهي الدول الثلاث الوحيدة في أوبك+ التي كانت قادرة فعلياً على رفع إنتاجها قبل الأزمة، باتت عاجزة عن إيصال نفطها إلى الأسواق العالمية. وفي خضم هذا الواقع، انسحبت الإمارات من التحالف الأسبوع الماضي في خطوة وصفتها مصادر صناعية بأنها "صدمة". في اليوم التالي مباشرة لذلك الانسحاب، اجتمع التحالف بدون أبوظبي وقرر رفع الإنتاج.

الإعلان الصناعي السعودي جاء في السياق ذاته. وزير الصناعة بندر الخريف أعلن أن مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 502 مليار ريال، وأن الصادرات الصناعية تجاوزت 167 مليار ريال. 1660 رخصة صناعية جديدة، وأكثر من 1200 مصنع بدأ العمليات. الأرقام ضخمة، لكن المعادلة النفطية تلقي بظلالها على كل شيء. وبينما أعلن البنك السعودي للاستثمار إتمام طرح صكوك رأس المال الإضافي من الشريحة الأولى بقيمة 1.85 مليار ريال بعائد 6.5%، يتساءل المستثمرون عن المدى الذي يمكن أن تصمد فيه هذه الأسواق أمام جمود هرمز.

قرار الإنتاج الذي لن يُنفَّذ على أرض الواقع

هذه هي نقطة الارتكاز في فهم ما جرى اليوم. أوبك+ قرر رفع الإنتاج للمرة الثالثة على التوالي منذ إغلاق المضيق. المنطق الظاهر هو إثبات أن التحالف قادر على ضخ المزيد عند انتهاء الأزمة. لكن مسؤولين في القطاع النفطي الخليجي وتجاراً دوليون صرحوا بشكل واضح: الزيادة ستبقى في معظمها على الورق ما دامت الملاحة عبر هرمز متوقفة.

الفارق الجوهري هنا هو الفصل بين قرار الإنتاج والقدرة على التصدير. السعودية مطالبة وفق الجدول الجديد بضخ 10.291 مليون برميل يومياً. روسيا 9.762 مليون. لكن أين يذهب هذا النفط حين تكون ناقلات الخليج عاجزة عن الخروج؟ الإجابة: يتراكم في خزانات الاحتياطي، أو يُبقي على الضغط الداخلي في شبكات الأنابيب، أو يصدَّر عبر مسارات بديلة تحمل تكاليف أعلى بكثير.

هذا ما جعل قرار اليوم يشبه قرارات أوبك في لحظات التوتر الجيوسياسي الكبرى. في أكتوبر 1973 استمرت الدول المنتجة في رفع طاقتها الإنتاجية حتى بعد فرض الحظر، ليس لأن النفط كان يتدفق، بل لأن القرار نفسه كان رسالة سياسية. في عام 1990 خلال حرب الخليج، فصلت السعودية بين قرار الإنتاج والتسليم الفعلي. الفرق اليوم أن المضيق المغلق ليس قراراً سعودياً، بل تداعية للحرب.

هنا يكمن التعقيد الذي لم تحسمه السوق بعد. إذا كانت الزيادة رمزية، فلماذا ارتفعت أسعار النفط إلى 125 دولاراً أصلاً؟ الجواب هو أن السوق لا يسعّر الإنتاج الحالي، بل يسعّر الشُح المتوقع. تقارير أشارت إلى أن محللين بدأوا يتوقعون نقصاً حاداً في وقود الطائرة خلال شهر إلى شهرين. هذا السيناريو إذا تحقق يعني أن 125 دولاراً ليست السعر الأعلى، بل مجرد نقطة في منحنى صاعد.

لكن ثمة سيناريو مقابل يستحق الأخذ بعين الاعتبار. خروج الإمارات من التحالف أزاح قيداً كان يمنع أبوظبي من زيادة إنتاجها بحرية خارج سقف أوبك+. الإمارات هي المنتج الوحيد الرئيسي الذي تقع منشآته خارج نطاق تأثير إغلاق هرمز بشكل جزئي، مما يعني أنها قادرة فعلياً على زيادة التدفقات. إذا قررت أبوظبي استثمار هذا الهامش بسرعة، فإن الصورة تتغير.

متى تتحول الزيادة الرمزية إلى إنتاج حقيقي

المتغير الذي يجب مراقبته ليس اجتماع أوبك+ القادم في السابع من يونيو، بل الوضع عند مضيق هرمز. استمرار الإغلاق يعني أن قرار الرفع يبقى على الورق، وأن الأسعار ستظل فوق مستوى 120 دولاراً على الأقل. فتح الممر جزئياً سيتطلب وفق التقديرات الصناعية أسابيع حتى تعود التدفقات إلى طبيعتها، وربما أشهراً لاستعادة المستويات السابقة.

تاسي اليوم لم يتفاعل بقوة مع أي من الاتجاهين. ارتفاع خمس نقاط في 11,192 عند حجم تداول 4.3 مليار ريال يعكس سوقاً يستوعب المعطيات ولا يُقدم على رهانات حادة. ارتفاع ينساب 6.97% تبعه تراجع بترو رابغ 4.86% في اليوم ذاته يعكس تبادلاً في التوقعات داخل القطاع البتروكيماوي نفسه، لا إجماعاً على اتجاه.

في هذا الغموض، تستحق قصة أخرى الانتباه. إي إف چي هيرميس تستهدف ضخ 300 مليون دولار في منصة مايندسباير للتعليم داخل السعودية، مع 100 مليون دولار منها تم استثمارها بالفعل. هذا الرهان التعليمي الضخم في خضم الأزمة الجيوسياسية ليس اعتباطاً، بل يعكس قناعة بأن رؤية 2030 ومسار التنويع الاقتصادي لن يتوقف بفعل ارتفاع أسعار النفط، بل ربما يتسارع لأن الفرصة النفطية القصيرة تمول التحول الطويل.

الدلالات مجتمعة تميل إلى سيناريو واحد: أسعار نفط مرتفعة لفترة أطول مما توقعت الأسواق في فبراير، مع سوق سعودية تحتفظ بهدوء نسبي ما دامت الإيرادات الحكومية مصانة. لكن هذا الاتجاه مشروط بشرط واحد: ألا يتدهور الوضع في هرمز إلى مرحلة تتوقف فيها الصادرات بشكل كامل. إذا حدث ذلك، فإن الحساب يتغير، ولن تكون الزيادة الرمزية كافية لطمأنة أي سوق.

المؤشر الذي يستحق المتابعة غداً هو أسعار عقود النفط الآجلة لشهر يونيو. إذا ظلت فوق 123 دولاراً رغم الإعلان عن رفع الإنتاج، فهذا يعني أن السوق لا يصدق الأرقام. وإذا تراجعت نحو 115، فهذا يعني أن رهاناً على فتح المضيق بدأ يتشكل. الفرق بين السيناريوين يساوي مليارات الدولارات في عائدات الخزينة السعودية خلال الأشهر الثلاثة القادمة.

Link copied