إدراج الصكوك السعودية في مؤشري جي بي مورجان وبلومبرغ|ماذا يعني لبنوك تملك نصف السوق

· TASI

التناقض في قلب الحدث

التوقع العام يقول إن إدراج الصكوك السعودية في مؤشري جي بي مورجان وبلومبرغ خبر إيجابي بامتياز. تدفقات بـ69 مليار دولار، ووزن نسبي 2.52%، وثقة مؤسسية عالمية. لكن هناك سؤال لا يطرحه كثيرون: من الذي سيدفع ثمن هذا النجاح داخلياً؟

البنوك السعودية تمسك بما يقارب تريليون ريال من الاستثمارات، وتهيمن على سوق الصكوك المحلية بشكل شبه كامل. فإذا فتح الإدراج الباب أمام مستثمرين أجانب لامتصاص هذه الأصول، فإن المعادلة لا تسير في اتجاه واحد فقط.

الإدراج يبدأ تدريجياً من 29 يناير 2026، وسيمتد حتى نهاية أبريل 2027 حين تنضم الصكوك إلى مؤشر بلومبرغ للسندات الحكومية بالعملات المحلية. الجدول الزمني ليس مجرد ترتيب فني، بل هو اختبار حقيقي لقدرة السوق على الاستيعاب.

وزير المالية محمد الجدعان وصف الخطوة بأنها محطة بارزة في دمج المملكة في أسواق رأس المال العالمية. لكن الدمج يعني أيضاً الانكشاف. والسؤال الحقيقي هو: هل البنوك السعودية مستعدة لمنافسة أموال الأجانب على نفس الأصول؟

البنية الخفية لسوق الصكوك

ما يغيب عن معظم المتابعين هو أن البنك الأهلي السعودي وحده يمتلك 323 مليار ريال من الاستثمارات، وهو ما يمثل 32.58% من إجمالي استثمارات القطاع المصرفي بأكمله. ومصرف الراجحي يضيف 173 مليار ريال أخرى. معاً، يسيطران على أكثر من نصف استثمارات البنوك المدرجة.

هذا التركز ليس مصادفة. البنوك السعودية كانت تاريخياً من أكبر مشتري الصكوك الحكومية، لأنها تحتاج إلى أصول عالية الجودة لإدارة السيولة وتلبية متطلبات رأس المال التنظيمية. الصكوك الحكومية بالنسبة لها ليست مجرد استثمار، بل ركيزة في بنيتها الميزانية.

والآن، مع ربط هذه الصكوك بمؤشرَين عالميَّين، ستدخل صناديق استثمار دولية متتبعة للمؤشرات مجبرة على الشراء. هذه الصناديق لا تحلل، بل تشتري بناءً على الأوزان. وهذا يعني ضغطاً تنافسياً جديداً على الأصول التي اعتادت البنوك السعودية امتلاكها بسهولة وبتكاليف منخفضة.

إذا ارتفعت أسعار الصكوك بفعل الطلب الأجنبي، فإن البنوك ستستفيد من ارتفاع قيمة محافظها الحالية. لكنها في المقابل ستجد تكلفة إعادة الاستثمار أعلى عند تجديد هذه المحافظ. الفائدة الآنية ممكنة، لكن الضغط المستقبلي على الهوامش حقيقي.

الورقة المقلوبة: السيولة سلاح ذو حدين

الرواية السائدة تقول إن إدراج الصكوك في المؤشرات العالمية سيعزز السيولة في السوق الثانوية. وهذا صحيح. لكن ما لا يُقال بوضوح هو أن البنوك السعودية لم تكن تحتاج إلى هذه السيولة بنفس القدر الذي يحتاجه المستثمر الأجنبي.

السيولة المرتفعة في السوق الثانوية تعني أن الصكوك ستصبح قابلة للتداول بسهولة أكبر. لكنها تعني أيضاً أن أسعارها ستصبح أكثر تقلباً استجابةً للتدفقات الدولية. اليوم، معظم هذه الأصول تجلس في محافظ البنوك بنية الاحتفاظ حتى الاستحقاق. غداً، قد تتأثر تقييماتها بقرارات مديري صناديق في نيويورك أو لندن.

البنك الأهلي والراجحي يسجلان أرباحاً قياسية: 6.42 مليارات و6.75 مليارات ريال على التوالي في الربع الأول من 2026. هذه الأرباح جاءت جزئياً من تراجع مخصصات خسائر الائتمان بأكثر من 20% في بعض البنوك. لكن ضغوط تكلفة الأموال تحدّ فعلاً من نمو الهوامش، وهذا هو الكابح الهيكلي الذي لن يختفي بمجرد دخول الأموال الأجنبية.

المفارقة هنا أن البنوك السعودية تحقق أرباحاً قياسية في اللحظة ذاتها التي يتحول فيها ملف استثماراتها الأساسية إلى ساحة تنافس دولية. هذا التزامن يستحق اهتماماً أكثر مما يحظى به.

مسارات السيناريو ونقطة القرار

السيناريو الأول: التدفقات تتدفق بانتظام، وأسعار الصكوك ترتفع تدريجياً. البنوك تستفيد من ارتفاع قيم محافظها. الحكومة تنجح في تنويع قاعدة المستثمرين وخفض تكلفة التمويل على المدى البعيد. في هذا المسار، البنك الأهلي والراجحي بوصفهما أكبر حاملَي الصكوك هما الأكثر استفادة مباشرة.

السيناريو الثاني: الطلب الأجنبي يرفع الأسعار بسرعة، فتتراجع العوائد إلى مستويات تجعل الصكوك أقل جاذبية للبنوك المحلية. البنوك مضطرة إلى إعادة توجيه سيولتها نحو أصول أخرى، ربما القروض العقارية أو التمويل المؤسسي. هذا قد يدعم نمو الائتمان، لكنه يرفع في الوقت ذاته مستوى المخاطر في المحافظ.

السيناريو الثالث: التطورات الجيوسياسية أو تذبذب أسعار النفط يضعان ضغطاً على ثقة المستثمرين الأجانب. الصناديق المتتبعة للمؤشرات لا تعيد النظر في موقفها بسهولة، لكن صناديق الاستثمار النشط قادرة على التخفيف السريع من مواقفها. في هذه الحالة، السيولة المرتفعة تصبح قناة لخروج أسرع، لا ضمانة للاستقرار.

نقطة القرار الأهم تتمثل في كيفية تعامل البنوك مع إعادة الاستثمار خلال 2027. عندما يمتص الأجانب جزءاً من الإصدارات الجديدة، ستجد البنوك نفسها أمام خيار: القبول بعوائد أدنى على الصكوك، أو البحث عن بديل في محافظ أكثر مخاطرة.

الاتجاه الأرجح، استناداً إلى الأدلة المتاحة، هو أن البنوك الكبرى ستستفيد في المرحلة الأولى من ارتفاع قيم المحافظ، لكنها ستواجه ضغطاً هيكلياً متزايداً على هوامش الفائدة بدءاً من النصف الثاني من 2027. هذا مشروط بأن تستمر التدفقات الأجنبية بالوتيرة المتوقعة، وهو افتراض يصعب ضمانه في بيئة أسعار فائدة متغيرة عالمياً.

توسيع برنامج المتعاملين الأوليين ليشمل 6 بنوك دولية، وربط السوق بمنصة يوروكلير، يمثلان ضمانة تقنية حقيقية للسيولة. لكن البنية التقنية وحدها لا تحكم مسار التدفقات. ما يحكمها هو جاذبية العائد النسبي مقارنةً بأسواق الأسواق الناشئة المنافسة.

Link copied