إغلاق هرمز يعيد رسم خرائط الطاقة|مصير أسواق الخليج بعد قمة بكين

· TASI

هرمز وصدمة الإمدادات

أوبك خفّضت توقعات الطلب العالمي على النفط لعام 2026 للمرة الأولى منذ تسعة أشهر. القراءة الأولى تقول إن الحرب ضغطت على الطلب. لكن الأرقام تكشف شيئاً أعمق من ذلك.

إنتاج أوبك+ هوى 1.74 مليون برميل يومياً في أبريل وحده، تقوده السعودية بخسارة 958 ألف برميل، والكويت بـ561 ألفاً. هذه ليست خفوضات طوعية مقررة، بل إمدادات عجزت عن الوصول إلى الأسواق بسبب إغلاق مضيق هرمز. الفارق بين الخفض الإرادي والشلل القسري هو ما يجعل هذه الأرقام خطيرة على مخازن النفط العالمية.

وكالة الطاقة الدولية تتوقع تراجع الإمدادات 3.9 مليون برميل يومياً في 2026 كمتوسط للعام، مع افتراض استئناف جزئي للتدفق عبر هرمز بدءاً من يونيو. لكن هذا الافتراض يتصدّع حين نعلم أن ناقلة النفط الصينية العملاقة التي حاولت عبور المضيق لا تزال في انتظار ممر آمن. عدد السفن العابرة انهار من 3000 ناقلة شهرياً قبل الحرب إلى أقل من 200 في أبريل.

الخسائر التراكمية في الإمدادات تجاوزت مليار برميل منذ فبراير وفق شركة شل. مخزونات النفط البرية في دول منظمة التعاون الاقتصادي انخفضت 170 مليون برميل في أبريل وحده. هذا المسار يجعل سوق النفط في وضع أقرب إلى الأزمة منه إلى التوازن حين يقترب موسم الصيف.

أرامكو تتحرك في هذا المناخ لجمع عشرة مليارات دولار من أصولها العقارية عبر صفقات بيع وإعادة تأجير، وهو مؤشر على أن شركات الطاقة الكبرى تُعيد ترتيب ميزانياتها لمرحلة ضغط ممتدة. لكن السؤال الذي تتركه هذه الصورة دون إجابة هو: من يملأ الفراغ إذا تأخر انفتاح هرمز عن موعد يونيو؟

وارش وبكين وسعر المخاطرة

مجلس الشيوخ الأميركي ثبّت كيفين وارش رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في اليوم ذاته الذي وصل فيه ترمب إلى بكين لقمة مع شي جين بينغ. ظاهرياً حدثان منفصلان. لكن رأس المال رأى في تزامنهما ضغطين متعاكسين على نفس المسار.

بيانات أسعار الجملة الأميركية ارتفعت 6% في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ 2022. هذا الرقم يُضيّق هامش وارش للتخفيف النقدي في وقت يرغب فيه ترمب بأسعار فائدة منخفضة دعماً للاقتصاد تحت ضغط تكاليف الطاقة. الذهب تراجع مع تقلّص آمال خفض الفائدة، والأسواق الآسيوية تعثّرت تحت ثقل التضخم الأميركي وتوترات إيران معاً.

قمة بكين تحمل راهناً دلالة مختلفة عمّا يبدو. رؤساء شركات أميركية كبرى رافقوا ترمب بحثاً عن صفقات تجارية. رئيس إنفيديا ضمن الوفد يشير إلى أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي على طاولة التفاوض. واشنطن وبكين اتفقتا مسبقاً على عدم السماح بفرض رسوم على الملاحة في هرمز، وهو تنازل صيني نادر.

لكن هذا التنازل يكشف معادلة أكثر تعقيداً. الصين تعتمد على نفط الخليج عبر هرمز وتضخّ ناقلاتها للعبور. موقفها من الأزمة ليس محايداً. إذا انتهت القمة بتسوية تجارية أميركية صينية تفتح مسار تدفق النفط، فإن أثرها على تضخم الطاقة العالمي يكون فورياً. لكن إذا بقيت القمة في إطار التصريحات دون آلية تنفيذية لفتح الممر، فإن تضخم أسعار الجملة الذي سجّل 6% سيُرجّح تأجيل خفض الفائدة حتى 2027، والذهب دون 3200 دولار سيكون المرصد الأول لهذا التحوّل.

أسواق الخليج بين مطرقتين

مؤشر تاسي تراجع 0.2% عند 11020 نقطة، لكن سهم أرامكو دعم المؤشر فوق مستوى 11000. هذا التوازن الهش يعكس حالة أوسع تعيشها أسواق الخليج: قيمة الأصول ترتفع نظرياً مع أسعار النفط فوق 107 دولارات للبرميل، لكن تدفق الإيرادات يتعطل لأن الصادرات عالقة داخل الخليج.

موانئ أبوظبي حقّقت نمواً 41% في صافي الأرباح رغم الأزمة، لأنها حوّلت العمليات نحو ميناء الفجيرة وخور فكان خارج نطاق المضيق، وأطلقت جسوراً برية بـ800 شاحنة وأربع رحلات سكة حديد يومية. هذا التكيّف يكشف أن الشركات التي بنت مسارات بديلة بوقت مبكر تعزل نفسها عن الصدمة، بينما تواجه فنادق البحرين تراجع أرباح بنسبة 50% بعد الضربة الإيرانية على كراون بلازا المنامة.

الكويت اتخذت خطوة استثنائية بضبط عناصر من الحرس الثوري الإيراني حاولوا التسلل إلى أراضيها، وهو توتر دبلوماسي يضيف طبقة مخاطر سياسية على المخاطر الاقتصادية القائمة. مخاطر عدوى الصراع على الدول المجاورة لإيران تؤثر في تقييمات البنوك الخليجية، حيث تتجه نحو التمويل الخاص والقروض المجمعة بعيداً عن الأسواق العامة.

السيناريو الذي يُميّز الاتجاه القادم يتحدد بنقطتين: إما أن تُفتح هرمز جزئياً مع يونيو كما افترضت وكالة الطاقة الدولية، وحينها تُعيد إيرادات أرامكو قراءة تقييم التاسي نحو 11500 نقطة، وإما أن يتأخر الانفتاح وتستمر المخزونات في الانهيار، فتتحوّل الأرباح الورقية التي تمنحها أسعار النفط المرتفعة إلى ضغط تشغيلي على الشركات الخليجية غير القادرة على التصدير. الاختبار الأمين لهذه التوقعات هو عدد الناقلات التي ستعبر مضيق هرمز خلال الأسابيع الثلاثة القادمة، وهل يتجاوز عتبة 500 سفينة شهرياً أم يبقى دون 300.

Link copied