الإمارات تغادر أوبك|برنت فوق 111 دولارا وهرمز مغلق
الإمارات وأوبك
في يوم واحد، أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة أوبك وأوبك بلس اعتباراً من الأول من مايو 2026، وفي اليوم نفسه تجاوز خام برنت 111 دولاراً للبرميل. هذا التزامن ليس مصادفة، بل هو تعبير عن تناقض حقيقي في صميم سوق النفط العالمي.
الإمارات كانت منذ عام 1967 عضواً فاعلاً في التحالف، لكنها كانت تطالب منذ سنوات بحصص إنتاج أعلى تعكس قدراتها الإنتاجية المتنامية. أدنوك رفعت طاقتها الإنتاجية إلى أكثر من أربعة ملايين برميل يومياً، بينما كانت حصتها المقررة من أوبك تقيّد هذا الحجم. القرار إذن ليس مفاجئاً من الناحية الاستراتيجية، لكن توقيته في خضم أزمة هرمز يجعله مزلزلاً.
خروج الإمارات يعني أن أوبك فقدت منتجاً يُشكّل نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يومياً من إجمالي إنتاجها. هذا يُضعف قدرة التحالف على ضبط الأسعار في اتجاهين: إذا قررت أبوظبي رفع إنتاجها بحرية، فقد تضغط نحو انخفاض الأسعار لاحقاً، لكن في المرحلة الراهنة تعيش الأسواق حالة نقص إمدادات حادة بسبب اضطرابات مضيق هرمز. يقول خبراء بتروليون إن أبوظبي قد تختار بيع النفط بأسعار أقل من السعر العالمي لتثبيت عملائها، وهذا سيناريو يزيد الضغط على الرياض وباقي أعضاء التحالف.
السؤال الذي يشغل المتداولين الآن ليس فقط كم ستنتج الإمارات، بل من سيملأ الفراغ التنظيمي الذي تركته داخل أوبك، وما إذا كانت دول أخرى قد تُقدم على خطوة مماثلة.
هرمز وبرنت
ما يمنع السوق من الهدوء رغم انسحاب الإمارات هو أن مضيق هرمز لا يزال يرسم الصورة الأكبر. نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط والغاز العالمية تمر عبره، وقد تراجعت حركة الملاحة فيه بشكل حاد منذ بدء الحرب الأمريكية الإيرانية في الثامن والعشرين من فبراير.
قبل اندلاع الصراع، كانت تعبر المضيق ما بين 125 و140 سفينة يومياً. الآن، ست ناقلات نفط إيرانية أُعيدت إلى الوراء بسبب القيود الأمريكية، فيما حاولت ناقلة "إيديميتسو مارو" اليابانية العملاقة المحملة بنفط سعودي عبور المضيق الثلاثاء وهي لا تزال قرب أبوظبي بعد أسبوع من الانتظار. أول ناقلة غاز مسال تعبر هرمز منذ شهرين عبرت الاثنين، لكن هذا لم يكفِ لطمأنة الأسواق.
محادثات السلام بين واشنطن وطهران تعثرت من جديد. ترامب أعلن رفضه أحدث مقترح إيراني، وطهران بدورها ترفض بحث ملف برنامجها النووي قبل وقف القتال. هذا الجمود هو ما أبقى برنت فوق 111 دولاراً، مسجلاً ارتفاعه للجلسة السابعة على التوالي.
المحللون في "ريستاد" و"بي في إم" يُقدّرون أن خسارة عشرة ملايين برميل يومياً عبر هرمز تُبقي الاختلال قائماً حتى لو تراجع الطلب. هذا يعني أن أسعار النفط المرتفعة ستتحول إلى ضغط تضخمي، ما يُربك البنوك المركزية التي تجتمع هذا الأسبوع.
الذهب والبنوك المركزية
هنا تكمن المفارقة الأعمق. الذهب الذي كان يفترض أن يرتفع في ظل الحرب وارتفاع النفط والتضخم، تراجع الثلاثاء بنسبة 0.2 بالمئة ليستقر عند 4670 دولاراً للأوقية، بعد أن لامس 4700 صباحاً قبل أن تتبخر المكاسب.
السبب هو ما يسميه المحللون "الضغط المزدوج". من جهة، الذهب ملاذ آمن في وقت الحرب. من جهة أخرى، ارتفاع النفط يُذكي التضخم، والتضخم يعطي البنوك المركزية مبرراً للإبقاء على الفائدة مرتفعة أو رفعها، وهذا يُضعف جاذبية الذهب أمام الأصول المُدرة للعائد.
بنك اليابان ثبّت فائدته عند 0.75 بالمئة يوم الثلاثاء كما كان متوقعاً، لكن الانقسام داخل مجلس قرراته كان 6 مقابل 3 لصالح التثبيت، وهو انقسام يُشير إلى أن رفع الفائدة في يونيو بات سيناريو حقيقياً. الين ارتفع مباشرة بعد القرار. مؤشر نيكي تراجع 1.1 بالمئة. هذا الأثر الياباني يمتد إلى الأسواق الناشئة التي كانت تستقطب رؤوس أموال يابانية.
البورصة السعودية ارتفعت 0.1 بالمئة لتغلق عند 11180 نقطة وسط مكاسب لأرامكو، لكن هذا الارتفاع المحدود يعكس حذر المستثمرين وسط كل هذه التحولات.
إذا استمر تعثر محادثات هرمز وبقي النفط فوق 110 دولارات، فإن التضخم سيُمسك بيدَي البنوك المركزية ويقيّد قدرتها على الخفض. الذهب سيبقى محصوراً في نطاق 4650-4750 دولاراً. لكن إذا جاء تسوية ما أو وقف نار ولو جزئي، فإن انفراج هرمز سيخفض النفط سريعاً، وسيُحرر البنوك المركزية من ضغط التضخم، وقد يُعيد الذهب لارتفاع مؤقت قبل أن تتراجع إقبال الملاذ الآمن.
المؤشر الذي يستحق المتابعة غداً هو تصريحات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في اجتماع الأربعاء، وما إذا كانت تلوح فيها إشارات إلى إعادة تقييم مسار الفائدة بسبب تضخم النفط. إذا جاء البيان أكثر تشدداً مما توقعه السوق، فإن الذهب سيختبر مستوى 4600 دولار، وتلك ستكون لحظة تحدد الاتجاه للأسابيع القادمة.