عجز ميزانية السعودية|حرب هرمز تضغط على الإيرادات النفطية
هرمز والميزانية
الإنفاق الحكومي السعودي قفز 20% في الربع الأول من 2026 ليبلغ 387 مليار ريال، فيما تراجعت الإيرادات النفطية 3% لتصل إلى 144 مليار ريال. النتيجة: عجز بلغ 126 مليار ريال في ثلاثة أشهر فقط، وهو ما يعادل 76% من العجز السنوي المستهدف بأكمله البالغ 165 مليار ريال. المفارقة أن هذا العجز القياسي جاء رغم أن سعر النفط الكويتي تجاوز 119 دولاراً للبرميل. الجواب في مضيق هرمز.
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير، تعطلت حركة الشحن عبر المضيق الذي يمر منه نحو خمس إمدادات النفط العالمية. أرامكو السعودية حذّرت من "عواقب وخيمة" إذا استمر الإغلاق. إيرادات النفط انخفضت رغم ارتفاع الأسعار، لأن أحجام الشحن تقلصت. في الوقت ذاته، رفعت الحكومة الإعانات بنسبة 170% لحماية المستهلك من ارتفاع الأسعار الناجم عن اضطراب سلاسل الإمداد، ورفعت الإنفاق الرأسمالي 56% لإبقاء مشاريع رؤية 2030 على مسارها.
الدين العام وصل إلى 1.66 تريليون ريال بنهاية مارس، ارتفاعاً من 1.51 تريليون في نهاية 2025. الأرقام غير النفطية أظهرت بصيصاً من الأمل: الإيرادات غير النفطية نمت 2% لتشكّل 44.5% من إجمالي الإيرادات، وهو مستوى لم يكن مألوفاً قبل سنوات. لكن السؤال الذي يُعيد تشكيل توقعات المستثمرين: هل تستطيع الإيرادات غير النفطية أن تُعوّض ما خسره النفط إذا امتد الصراع؟
تاسي والسوق
ذلك الضغط على الميزانية انعكس مباشرة على سوق الأسهم. مؤشر تاسي تراجع 0.8% ليغلق عند 11,007 نقاط بتداولات بلغت 5.1 مليار ريال. لكن الأثر الأعمق جاء من قناة مختلفة: تكاليف الإنتاج.
تقرير مؤشر مديري المشتريات لأبريل كشف أن القطاع الخاص السعودي غير النفطي عاد للنمو برقم 51.5 نقطة بعد أن كان عند 48.8 في مارس، وهو تعافٍ مفاجئ. لكن هذا التعافي جاء مصحوباً بأعلى ارتفاع في تكاليف الأعمال منذ 17 عاماً على الإطلاق، وثاني أسرع وتيرة لرفع أسعار البيع في تاريخ المسح كله. الشركات تنمو رغم التكاليف، لكنها تنقل الفاتورة إلى المستهلك.
في الإمارات، انعكس المشهد ذاته بصورة أوضح: مؤشر PMI تراجع إلى 52.1، وشركات القطاع غير النفطي رفعت أسعارها بأسرع وتيرة في 15 عاماً. في مصر، تقلّص النشاط غير النفطي إلى 46.6 نقطة في أبريل، أسرع وتيرة انكماش منذ يناير 2023، وارتفعت تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة منذ ثلاث سنوات. الحرب لا تُفرّق بين الاقتصادات المصدِّرة والمستوردة للنفط: كلها تدفع ثمن اضطراب المضيق.
أول اكتتاب عام سعودي منذ اندلاع الحرب هو شركة دار البلد لتقنية المعلومات، التي تستهدف جمع 205 ملايين ريال بعد أن جذب طرحها المؤسسي اكتتاباً بـ 66.6 ضعفاً. هذا الزخم يُشير إلى أن شهية المستثمرين للشركات غير النفطية لم تتراجع، لكن الاختبار الحقيقي سيكون عند فتح الاكتتاب للأفراد في العاشر من مايو.
ما يحدد المسار
الخيط الذي يربط الميزانية وتاسي والتضخم هو واحد: استمرار إغلاق مضيق هرمز أو انفراجه. أستراليا في المقابل رفعت أسعار الفائدة للمرة الثالثة هذا العام إلى 4.35%، مخالفةً التيار العالمي، وهذا يُرسل رسالة: التضخم الناجم عن اضطراب سلاسل الإمداد لا يُعالَج بالانتظار.
إذا توصّلت واشنطن وطهران إلى تسوية للمضيق — وهناك بوادر انفراجة أمريكية أشارت إليها تقارير اليوم — فإن إيرادات النفط السعودية ستتعافى، وضغوط التكلفة على الشركات ستخفّ، وتاسي سيجد دعماً. أما إذا امتد الإغلاق، فإن العجز في الربع الثاني سيكون أثقل، لأن الإعانات الحكومية ستواصل الارتفاع مع تصاعد الضغوط التضخمية على المستهلك.
الإمارات في هذه المعادلة تراهن على ورقة مختلفة: إطلاق حزمة فرص صناعية بـ 180 مليار درهم ضمن مبادرة "اصنع في الإمارات"، لتقليل الاعتماد على الواردات المعرّضة لاضطرابات المضيق. رؤية 2030 السعودية دخلت مرحلتها الثالثة بتحقيق 93% من مؤشرات أدائها، وهذا التحول البنيوي نحو الإيرادات غير النفطية هو ما يمنح الميزانية هامشاً من المرونة. لكن المرونة لها حدود.
المؤشر الذي يستحق المتابعة غداً: هل تتجاوز الإعانات الحكومية 17 مليار ريال في الربع الثاني؟ وهل يحافظ مؤشر تاسي على مستوى 11,000 نقطة؟ الاختراق دون هذا المستوى يعني أن السوق بدأ يسعّر سيناريو امتداد النزاع لأشهر إضافية. ما يمنع ذلك هو قرار واحد في غرفة مفاوضات لم يُعلَن عنها بعد.